ناصر قنديل يكتب :حرب اليمن واجتماع الرياض والتوقيت

حرب اليمن واجتماع الرياض والتوقيت
نقاط على الحروف
ناصر قنديل

يصعب فصل الاستعجال بإعلان الحرب الجديدة في اليمن، ثم تسويق انتصارات واسعة في باب المندب والمخا، عن انعقاد اجتماع الحلف السعودي التركي الباكستاني في الرياض. فقد أعلن رشاد العليمي هدف الوصول إلى صنعاء، بينما انتقلت الرواية العسكرية سريعاً من بدء الهجوم إلى الحديث عن استعادة الساحل. هذا التزامن يفتح فرضية سياسية جدية، محاولة إدخال الحلفاء إلى الاجتماع أمام خيار عسكري قد بدأ ولا يمكن ايقافه وأنه يُقدَّم بوصفه خيارا ناجحاً، بحيث يصبح المطلوب دعمه والمشاركة في استكماله، بدلاً من مناقشة جدواه وبحث البدائل السياسية المتاحة له.
كان الاجتماع يحمل منذ البداية احتمالاً آخر. فوزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أعلن، قبل انعقاده، أن اقتراحاً إيرانياً للتواصل السياسي مع أنصار الله سيُناقش في الرياض، ووصفه بأنه تبادل أفكار بين وزيري الخارجية، وليس عرضاً مكتوباً مكتمل العناصر، وأنه يُطرح بديلاً للعمل العسكري. لذلك لم تكن الدبلوماسية موضوعاً طارئاً على الاجتماع؛ كانت أحد أسباب انعقاده، وكان تسريع إعلان الحرب قادراً، من حيث الوظيفة السياسية، على محاولة تغيير جدول الأولويات قبل جلوس المجتمعين.
لكن الانتقال من إعلان الهجوم إلى إعلان الحسم يحتاج إلى أدلة تتجاوز البيانات. نقلت رويترز عن الحكومة ومصادر عسكرية تابعة لها رواية التقدم على الساحل وصولاً إلى المخا، وأكدت رويترز أنها لم تستطع التحقق من مصادر مستقلة من مدى المكاسب، بينما نفى أنصار الله هذه الرواية. وفي التقرير نفسه، نقلت عن خمسة مصادر عسكرية حكومية تقدماً لأنصار الله قرب تعز وسيطرتهم على أجزاء من طريق جبلي يضغط على القوات الحكومية، مع نفي مصدر حكومي قطع الطريق. هذا الاعتراف من داخل المعسكر المقابل يمنح تطورات تعز وزناً يتجاوز بيانات صنعاء.
هنا تظهر أهمية التحفظ الإعلامي الشامل بعد الاندفاع الأول. فالفارق بين تبنّي عنوان الانتصار وبين نسبته لاحقاً إلى صاحبه يعكس مشكلة الإثبات، لكنه يحتاج إلى مقارنة موثقة للتغطيات قبل اعتباره تحولاً شاملاً في موقف القنوات. كذلك، فإن غياب مشاهد واضحة تثبت السيطرة على المواقع الأساسية يبقي الإعلان ناقصاً؛ أما وجود قوات على طريق أو قرب موقع فلا يثبت وحده استعادة مدينة وميناء وجزيرة. المطلوب تحديد الأماكن، وتوقيت التصوير، واستمرار السيطرة، ثم اختبار القدرة على تثبيتها وتأمين إمداداتها.
سياسياً، لا تسمح نتائج اجتماع الرياض بالقول إن السعودية خرجت بلا مساندة. فالبيان المشترك أعلن الانتقال الفوري إلى تنفيذ التزامات الدفاع الجماعي، وتوفير القوات والقدرات المتفق عليها وتسريع انتشارها داخل المملكة. وهذه مساندة عسكرية فعلية يجب احتسابها. لكن تحديد مكان الانتشار يكشف أيضاً حدود القرار المنشور، حماية السعودية وتعزيز دفاعاتها، دون إعلان إرسال قوات تركية وباكستانية لخوض الحرب البرية داخل اليمن. وبين المهمتين تقع المسافة التي حاول خطاب الحسم اختصارها.
ويصبح تصريح حاقان فيدان ضرورياً لقراءة ما لم يفصّله البيان. فقد قال، إن المجتمعين بحثوا بالتفصيل الدعم الممكن للدفاع عن السعودية، وبالتوازي إمكان حل القضية سلمياً بالحوار. ووصف المقاربة السعودية للحل بأنها بنّاءة. تكمن أهمية كلامه في جمع الالتزام الدفاعي والمسار السياسي في موقف واحد؛ فأنقرة لا تقدم حماية المملكة باعتبارها مرادفاً لتبنّي الزحف إلى صنعاء، ولا تعتبر البحث العسكري سبباً لإغلاق باب التسوية.
أما واشنطن، فقال ماركو روبيو إن للسعوديين حق الدفاع عن أنفسهم، وتجنب تفصيل التنسيق. غير أن أسوشيتد برس نقلت عن مسؤولين دعماً أميركياً يشمل المعلومات وتحديد الأهداف والتخطيط للهجوم. وهذا دعم لا يتضمن، في المعلن، التزاماً بقتال أميركي مباشر أو ضماناً بتحقيق الحسم. وهذا الفارق مهم لأن التخطيط والمعلومات يساعدان العملية، لكنهما يجريان تحت عنوان مساندة السعودية لا المساعدة على حسم الوضع في اليمن عسكريا، عدا عن كونهما لا يحلان مشكلة القوة التي ستتقدم وتبقى على الأرض.
الحصيلة أن محاولة تحويل الحماية الدفاعية للسعودية إلى شراكة معلنة في حرب الحسم لم تنتج التفويض المطلوب، وفق المواقف المنشورة. فالرياض حصلت على تعزيز دفاعي، وعلى دعم أميركي مساعد، لكنها ما زالت مطالبة بإثبات أن القوات اليمنية التي تسندها تستطيع تغيير الميدان، وأن المكاسب المعلنة قابلة للاستمرار، بينما ظل الخيار السياسي حاضراً بصوت تركي وباكستاني واضح.
الأيام المقبلة ستختبر هذا الرهان سريعاً، هل تظهر سيطرة موثقة ومستقرة، أم تتسع الفجوة بين البيانات والوقائع؟ وهل تستطيع السعودية حماية منشآتها وممرات تصديرها بالتوازي مع تمويل التصعيد وادامته؟ الإجابات ستقرر مصير الحملة ودرجة الإصغاء إلى الحليفين اللذين استمعا إلى طهران وهما ملتزمان بأمن المملكة. فإذا تعثر الحسم وارتفعت الكلفة، ستصبح الوساطة السياسية اختباراً لمصلحة السعودية نفسها، بعدما جرى تقديم الحرب بوصفها طريقاً أقصر إلى النتيجة ذاتها.

 

اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي :

واتس أب تيليجرام منصة إكس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *