تُعد شخصية آية الله السيد القائد الشهيد علي الخامنئي واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ السياسي الحديث للمنطقة والعالم.
فمنذ توليه قيادة الثورة الإسلامية في إيران عام 1989 خلفًا للإمام الخميني، نجح في قيادة البلاد وسط أمواج عاتية من التحديات الإقليمية والدولية.
مزج السيد الخامنئي في قيادته بين العمق الفقهي الحوزوي والرؤية الاستراتيجية السياسية، مما جعل من مسيرته مادة غنية للدراسة والتحليل.
أولًا: سمات الشخصية والنشأة الفكرية
تشكلت شخصية السيد الخامنئي من روافد متعددة تجمع بين العلم الديني والعمل الثوري والاهتمام الثقافي الواسع، ومن أبرز هذه السمات:
• العمق الفقهي والأكاديمي: ينحدر السيد الخامنئي من بيئة علمية في مشهد والنجف، وتتلمذ على يد كبار مراجع الحوزة العلمية أبرزهم الإمام الخميني(ع)
هذا التكوين منحه رتبة “الاجتهاد والفقه” التي تشكل الأساس الشرعي لقيادته.
• الزهد والبساطة في العيش: يُعرف عن السيد الخامنئي في أوساطه الشعبية وحياة المقربين منه نمط عيشه البسيط والبعيد عن مظاهر البهرجة، وهو امتداد لنهج الزهد الحوزوي التقليدي، مما عزز صورته كقائد روحي قبل أن يكون قائدًا سياسياً.
• الاهتمام الأدبي والثقافي: تميز السيد الخامنئي باهتمام لافت بالأدب، والشعر، والروايات العالمية، والتاريخ. ويمتلك شبكة علاقات واسعة مع الأدباء والمفكرين، مما اضفى على خطاباته لغة بليغة وعمقًا ثقافيًا تجاوز الخطاب السياسي الجاف.
• الصمود والثبات العقائدي: صُقلت شخصيته في زنازين السجون والنفي خلال عهد الشاه، وتعرض لمحاولة اغتيال تسببت في إصابة بالغة بيده اليمنى عام 1981.
هذا التاريخ منح شخصيته القائد الشهيد سمة الثبات وعدم المساومة في المبادئ الأساسية للثورة.
ثانيًا: أبعاد السياسة الدولية واستراتيجية القيادة
تحركت وتتحرك السياسة الخارجية لإيران تحت توجيهات السيد الخامنئي وفق رؤية استراتيجية واضحة ومحددة، ترتكز على عدة مبادئ أساسية منها التالي:
1ـ عقيدة مقاومة هيمنة الاستكبار العالمي
تشكل مناهضة النفوذ الغربي، وتحديدًا العد الصهيو أمريكي، حجر الزاوية في فكر السيد الخامنئي الدولي.
فهو يرى أن النظام الدولي الحالي محكوم بآليات غير عادلة تفرضها القوى الكبرى، وبالتالي اعتمد سياسة “الصمود الفعّال” ورفض التراجع أمام الضغوط والعقوبات الاقتصادية، معتبرًا أن الاعتماد على القدرات الذاتية (الجهاد الاقتصادي والعلمي) هو السبيل الوحيد لحفظ السيادة والعزة والكرامة.
2ـ دعم القضية الفلسطينية ومحور المقاومة
كانت القضية الفلسطينية بالنسبة للسيد الخامنئي قضية عقائدية وإستراتيجية غير قابلة للمساومة.
وتحت قيادته، أستطاع تحويل الدعم الإيراني لحركات المقاوَمة في المنطقة (في فلسطين، لبنان، اليمن، والعراق)
من دعم سياسي ومعنوي إلى بناء شبكة تحالف إقليمي متكاملة تُعرف بـ “محور المقاومة”، بهدف تغيير موازين القوى في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الأجنبي.
3ـ التوجه نحو الشرق
في مواجهة الحصار الاقتصادي الغربي، وجّه السيد الخامنئي بوصلة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية لإيران نحو القوى الآسيوية الصاعدة، مثل الصين وروسيا والهند، والانضمام إلى تكتلات دولية كبرى (مثل منظمة شنغهاي ومجموعة بريكس).
هذه السياسة تهدف إلى كسر أحادية القطبية الأمريكية وخلق توازن دولي جديد.
4ـ الاكتفاء الذاتي والتطور العلمي والعسكري
ربط السيد علي الخامنئي دائمًا بين القوة السياسية الدولية والتقدم العلمي والتقني.
لذلك، أولى رعاية خاصة لبرامج الفضاء، والنانوتكنولوجيا، والملف النووي السلمي، بالإضافة إلى تطوير القدرات الدفاعية الصاروخية وسلاح المسيرات، معتبرًا أن امتلاك القوة الردعية هو الضمانة الأكيدة لمنع أي اعتداء عسكري خارجي.
خلاصة القول، لقد مثل السيد الشهيد القائد علي الخامنئي ـ عليه السلام ـ نموذجًا للقائد الروحي والسياسي الذي استطاع الحفاظ على هوية الثورة الإسلامية ومبادئها لأكثر من ثلاثة عقود، رغم المتغيرات الدولية الهائلة وسقوط أنظمة كبرى.
بالتالي فإن فهم سياسته الدولية لا ينفصل عن فهم سماته الشخصية؛ فالصلابة في المبادئ، والتعامل البراغماتي الذكي في التكتيك، والرؤية القائمة على الاعتماد على الذات، جعلت من إيران رقماً صعبًا في المعادلات الإقليمية والدولية ومحورًا أساسيًا في تشكيل مستقبل المنطقة، فسلام الله عليه ولانامت اعين الجبناء الذين إغتالوه لقد خابوا وخسروا الرهان.
عبدالله علي هاشم الذارحي
اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي :
