من صحراء الجوف إلى أرامكو.. اليمن يفرض معادلة الردع

تكشف التطورات العسكرية الأخيرة أن رهان العدو السعودي على إخضاع اليمن بالقصف والتحشيدات لم يحقق أهدافه، وأن استمرار التصعيد يفتح أبواب المواجهة على خيارات أوسع، تتحمل الرياض مسؤولية تداعياتها.

فحين تتواصل غارات طيران العدو السعودي على العاصمة صنعاء والمدن اليمنية، وتُحشد القوات لمحاولة التقدم ميدانيًا، يصبح الرد حقًا مشروعًا في مواجهة العدوان، وتغدو معادلة الردع عنوانًا لمرحلة لا يمكن فيها فصل الاعتداء عن عواقبه.

فاليوم في شرقي الجوف، مثّلت المواجهة مع التحشيدات السعودية اختبارًا جديدًا لقدرة القوات المسلحة اليمنية على إحباط محاولات التقدم، إذ أعلن المتحدث الرسمي العميد يحيى سريع إحراق آليات، وسقوط قتلى وجرحى، وملاحقة من تبقى من تلك التحشيدات، إلى جانب استهداف تجمعاتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وتبرز أهمية هذه المواجهة في أن الجغرافيا اليمنية لم تعد ساحة مفتوحة لتحقيق الأهداف السعودية، وأن أبناء الجوف ومأرب، وفق البيان، يواصلون إسناد القوات المسلحة في التصدي للتحركات المعادية.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يحمل استهداف أرامكو في الرياض وخريص، هي رسالة تحذير قوية تتجاوز حدود الأهداف المستهدفة؛ فالمصالح الاقتصادية والمنشآت النفطية السعودية ليست بمنأى عن تداعيات الحرب التي تصر الرياض على مواصلتها.

وكلما اتسعت الغارات على اليمن، اتسعت معها احتمالات انتقال أثر المواجهة إلى مواقع أكثر حساسية على العدو السعودي ، بما يجعل استمرار التصعيد مغامرة مكلفة بدلًا من أن يكون وسيلة لفرض الاستسلام.

وتزداد دلالة هذا المشهد مع إعلان القوات المسلحة أن الغارات السعودية بلغت خلال اثنتي عشرة ساعة خمسين غارة جوية وصاروخًا، وأن إجماليها منذ بدء التصعيد وصل إلى 1460، وفق البيان الصادر اليوم 4 أكتوبر 2026. وهذه الأرقام، إن دلت على شيء، فإنما تكشف حجم التصعيد الذي يواجهه اليمن، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية التعامل مع جذور المواجهة، لا الاكتفاء بمراقبة نتائجها، والوقوف مع العدو الصهيو سعود أمريكي المجرم.

إن الرسالة اليمنية واضحة: لا يمكن أن يستمر العدوان من دون رد، ولا أن يُفرض الحصار بينما يُمنع اليمن من استخدام أوراق القوة التي يمتلكها.

ومعادلة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» تعني أن كلفة الحرب لن تبقى محصورة في المدن اليمنية، وأن الطريق إلى التهدئة يبدأ بوقف الاعتداءات وإنهاء الحصار، لا بمضاعفة الغارات والتحشيدات، والتحالفات ضد اليمن.

فاليمن الذي صمد أمام سنوات الحرب لا يبدو مستعدًا للتراجع تحت الضغط، والرهان على كسر إرادته بالقوة يتجاهل حقيقة أثبتتها المواجهات مرارًا: أن الحسم لا تصنعه كثافة الغارات وحدها، وأن استمرار الحرب يراكم المخاطر على الجميع، فيما يظل وقف العدوان السبيل الأجدى لتجنب مزيد من التصعيد، ويعلم الله مالذي سيستجد من نصر قادم الساعات والأيام واعدة بالببشرى لليمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *