أنس القاضي يكتب .. لماذا يصعب الوصول إلى تسوية مع السعودية؟
تتمثل الأزمة القائمة مع السعودية في الخلاف على توصيف المشكلة، أي في كيفية فهم الصراع في اليمن وتحديد أطرافه، لأن هذا التوصيف هو الذي تترتب عليه المسؤوليات والالتزامات والنتائج، فصنعاء ترى السعودية طرفا مباشرا في الحرب والحصار القائمين منذ عام ٢٠١٥،
وبناء على ذلك تتحمل مسؤولية وقف العدوان، ورفع الحصار عن المطارات والموانئ، ودفع المرتبات، ومعالجة الملف الإنساني، وإغلاق ملف الأسرى، وترك اليمنيين يستفيدون من موارد بلادهم وثرواتها، فهي تعطل الملف السياسي اليمني اليمني، إذ تسيطر على سياسة وموقف الطرف اليمني الآخر الذي يقطن فنادقها، وهو طرف في المستوى المحلي من الصراع في اليمن،
تتنكر السعودية لهذه المسؤولية، ولا تريد الاعتراف بكون الصراع دوليا، كما بدأ بأول غارة سعودية في مارس ٢٠١٥م ضد الجمهورية اليمنية، وتقدم نفسها بوصفها وسيطا وراعيا للحوار بين اليمنيين، في الوقت الذي تدعم فيه طرفا وتتدخل في تركيبته السياسية، وهم أتباع لها ويعيشون من فضلاتها كأي مرتزقة، وتتدخل فيهم، من الإطاحة بهادي إلى تشكيل مجلس القيادة، إلى الإطاحة بالزبيدي والانتقالي، وتشكل قوات عسكرية تابعة لها في اليمن، درع الوطن والطوارئ وقوات حضرمية من خارج وزارة دفاع العليمي، إلى آخر التدخلات، فهي تتعامل مع اليمن كإمارة تابعة لها، وتريد التعامل مع صنعاء كذلك، وتتدخل في أي طيران يقلع ويهبط، وتصر على فرض الحصار، وتقصف المطار، وتدفع بمرتزقتها إلى القول بأنهم الفاعلون.
وخلال المباحثات المباشرة بين وفد صنعاء والوفد السعودي بمسقط في مرحلة خفض التصعيد من ٢٠٢٢م حتى ٢٠٢٦م، استخدمت الرياض المفاوضات لامتصاص الضغط وتمديد الوقت، كما أسهم التفاوض معها حول استحقاقات ترتبت على حربها وحصارها في تكوين تصور خاطئ لديها، مفاده أن صنعاء جاءت تطلب هذه الحقوق من السعودية، وكأنها منح أو مساعدات تخضع للقبول والرفض والمتابعة والمراجعة في الديوان الملكي، على غرار تعاملها وتعامل العليمي وبقية العملاء معها، الذين يسبحون بحمد السفير آل جابر، ناهيك عن الملك وولي العهد ووزير الدفاع، بينما تعاملت صنعاء معها بوصفها التزامات واجبة على طرف خاض الحرب وفرض الحصار.
وتتصور السعودية أن الصراع في اليمن قائم بين سلطتين في صنعاء وعدن، وأن دورها يقتصر على الوساطة ورعاية الحوار بينهما، غير أن الوقائع السياسية والعسكرية تناقض هذا التصور، ففي صفقات تبادل الأسرى حضرت السعودية بوصفها طرفا، وفي اللقاءات غير المباشرة بين الوفود العسكرية برعاية مكتب الأمم المتحدة شارك وفد عسكري سعودي، كما أبرمت هدنة عام ٢٠٢٢ معها بوصفها طرفا في المواجهة، وأوقفت صنعاء استهداف الأراضي السعودية خلال فترة التهدئة لإتاحة المجال أمام معالجة القضايا الإنسانية والسياسية.
وتبقى السعودية الطرف الخارجي المباشر الذي استمرت معه حالة الصراع بعد تراجع بقية دول التحالف عن الواجهة، وقد استخدم مسمى «التحالف العربي» منذ البداية لتوزيع المسؤولية والحد من ظهور الحرب بوصفها حربا سعودية على اليمن، مع أن الرياض قادت العمليات العسكرية، وفرضت الحصار، وتحكمت بالمسار السياسي، كما دخلت في تنافس مع الإمارات على النفوذ والموانئ والجزر والموارد داخل اليمن، في صراع على الغنيمة.
ومع عودة التصعيد الأمريكي الإيراني، تراهن السعودية مجددا على أن المواجهة الإقليمية قد تعفيها من تقديم الاستحقاقات التي وافقت عليها، وأن الضغط الأمريكي والعسكري على صنعاء يمكن أن يغير موازين القوى لمصلحتها، وهو الرهان نفسه الذي استندت إليه خلال سنوات الحرب ٢٠١٥م-٢٠٢٣، ولذلك جمدت تنفيذ خارطة الطريق، رغم أنها وافقت على مضمونها بعد هدنة أبريل ٢٠٢٣، واستمرت المفاوضات بشأنها حتى ما قبل عملية طوفان الأقصى في أكتوبر ٢٠٢٣، وحتى عام ٢٠٢٦م ظلت الهدنة، أو حالة خفض التصعيد، من طرف واحد، صحيح أن السعودية لم تعد تقصف بطيرانها، إلا أن الحصار قائم بحرا وجوا، ومقيد في حدود دنيا في بعض الحالات، كما أن تدخلها في دعم العليمي وتقويته لم يتوقف، فخفض التصعيد من طرف واحد عمليا.
وتكمن العقدة الأساسية في أن السعودية تريد الاحتفاظ بنتائج الحرب ونفوذها داخل اليمن، مع التنصل من مسؤوليتها عن الحرب والحصار، وتريد المشاركة في صياغة مستقبل اليمن بوصفها راعيا ووسيطا، بينما ترفض الاعتراف بأنها طرف ملزم بتنفيذ استحقاقات التسوية، ولهذا يبقى الاتفاق على خارطة الطريق والتفاهمات التي تدفع إليها مسقط بلا صيغة تنفيذية واضحة، لأن الطرف المطلوب منه التنفيذ يرفض أصل المسؤولية.
هذه هي العقدة التي ترفع الملف من طاولة التفاوض إلى ميدان المعركة، فحين ترفض السعودية الاعتراف بأنها طرف، وتتعامل مع الحقوق اليمنية بوصفها مطالب قابلة للمراجعة والتأجيل، يصبح التصعيد وسيلة لإعادتها إلى الواقع.
اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي :
