في كل مرة، كانت المقاومة تتجاوز في شباط جراح الفقد باغتيال قادتها، مستندةً إلى إرثٍ تنظيمي وروح جهادية تجعلها قادرة على التأقلم مع التحديات الراهنة وإعادة ترميم قدراتها وسط بنية لا تستلم برحيل الأجساد، بل تحمل الفكرة والنهج وتواصل الدرب.
في تاريخ المقاومة في لبنان ووجدانها، يُسمّى شهر شباط بـ”شهر الشهداء القادة”، ففيه فقدت المقاومة أبرز مؤسسيها وقادتها ومطوّريها. فمن الشيخ راغب حرب، إلى السيد عباس الموسوي، إلى الشهيد القائد عماد مغنية، كانت المقاومة في شباط، على موعدٍ مع وداعات مؤلمة، لثقل الخسارة المتمثلة بهؤلاء الشخصيات الذين حفروا أثراً لا يفنى في مسيرة المقاومة أمام الاحتلال الإسرائيلي، على مدى عقود.
لكن دماء هؤلاء الشهداء القادة شكّلت محطات مفصلية جعلت المقاومة وشعبها أكثر ثباتاً وعزماً وتمسكاً بخيار المواجهة مع الاحتلال، وجعلتهم يعضّون على الجراح ويواصلون الدرب المعبّد بالتضحيات، وفاء وإيماناً بقضية تحرير الأرض ومقارعة الظلم وحفظ المسيرة، خصوصاً أنّ اغتيال “إسرائيل” لثلّة من القادة كان في مراحل اشتدّ فيها التغول الإسرائيلي في لبنان وجنوبه.
كان لكل قائد من هؤلاء القادة دوره، بحسب الظروف المحيطة، ليُكمل ما بناه أسلافه من نهجٍ وبنية أرضية وشعبية ضمن مسار المواجهة، من الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 والذي برز خلاله اسم الشيخ راغب حرب، إلى فترة احتلاله، الذي كان السيد عباس الموسوي الشخصية الأهم خلالها، حتى التحرير في عام 2000، وما بعده، حيث كان الحاج رضوان العقل الألمعي للمقاومة.
الشيخ راغب حرب: “شيخ الشهداء” ومرحلة الوعي والتأسيس (1982 – 1984)
“الموقف سلاح، والمصافحة اعتراف”
“أين راغب حرب أين.. ليته في الحاضرين”، هي أبيات ودّع فيها جمهور المقاومة الشيخ راغب عقب اغتياله برصاص أحد عملاء الاحتلال ليلة الجمعة في 16 شباط/فبراير 1984 بعد خروجه من مسجد قريته جبشيت جنوبي لبنان، في دلالةٍ على عظيم فقدان شخصٍ مثله، ليس فقط لمواقفه المقاومة والرافضة للاحتلال، بل لكونه شخصيةً وقفت مع الناس وهمومها، وكانت توجهها وتشحن عزمها وروحها، في مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للجنوب.
فقد برز اسم ودور الشيخ راغب مع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، إذ إنّ هذه المرحلة كانت مرحلة كسر حاجز الخوف، والمواجهة المباشرة لـ”جيش” الاحتلال، إذ لم يكن الشيخ راغب قائداً عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل كان المعبّئ الروحي والجهادي والتوعوي في المجتمع الجنوبي.
من صلاة الجمعة، التي كان يتخذها منبراً وصوتاً للتوجيه ورفض الظلم، إلى مواكبة الشؤون الاجتماعية للفقراء والمحتاجين، وتأسيس العديد من الجمعيات الخيرية لتيسر حوائج الناس واحتضان عوائل الشهداء والأيتام، حتى قيادته الانتفاضة الشعبية في وجه الوجود الإسرائيلي في جبل عامل، وتحرّكاته عبر زياراته لقرى الجنوب وتشديده على مقاومة الاحتلال، كان الشيخ راغب يعمل على تأسيس بنية اجتماعية مقاومة ومجاهدة لا ترضى بالذل، حيث انتقلت المقاومة معه من عمل مجموعات إلى حالة شعبية.
موقفه الشهير الذي رفض خلاله مصافحة أحد الجنود الإسرائيليين بقوله المعروف: “الموقف سلاح، والمصافحة اعتراف”، جعله مثالاً حياً لمدى أهمية اتخاذ ولو موقف ضد العدوّ، بحيث يرقى إلى كونه سلاحاً يُقاوَمُ به، في مسار رفض التعامل مع الاحتلال. وبحسب الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، فإنّ هذا الموقف الذي أطلقه بات سلاحاً في هذه المعركة، بل من أقواها وأمضاها، لأنّه شكّل ضمانة قيام المقاومة، وتحوّلها لاحقاً إلى مقاومة مسلّحة ومتطوّرة. فلو “لم يكن هذا الموقف الفكري والثقافي والنفسي موجوداً، لكان المقابل هو القبول بالعدوان، والتساهل مع المحتل، والخوف منه والخضوع لإملاءاته”.
وفعلياً، لا يزال هذا الموقف يصدح حتى يومنا هذا، حيث يرفض الأحرار، وترفض المقاومة، خيار التطبيع مع “إسرائيل”، على الرغم من كل التحديات المحيطة، وانجرار الدول العربية والإسلامية، نحو هذه الخطوة، مع تصاعد التهديدات والاعتداءات.
السيد عباس الموسوي.. “سيد شهداء المقاومة”
“الوصية الأساس هي حفظ المقاومة”
بعد ذلك بسنوات، اغتيل السيد عباس الموسوي الذي حمل راية المقاومة، في يوم اغتيال الشيخ راغب من عام 1992، هو وزوجته أم ياسر وابنهما حسين في بلدة تفاحتا الجنوبية، في طريق عودتهم من جبشيت حيث كان إحياء ذكرى الشيخ، الأمر الذي مثّل شرارةً في قلوب المحبين والمقاومين والمجاهدين، غير أنّ الهدف الإسرائيلي في إحباط المسار لم يتحقق، مثل سابقه مع الشيخ راغب، لأنّ السيد كان قد عمل لسنوات على بناء بيئة لا تستسلم بشهادة قادتها، بل كانت الشهادة توقظ النفوس وتعبّئها للاستمرار وتدفعها إلى الأمام في المواجهة.
فالسيد الموسوي، كان من أوائل العاملين على جمع طلاب العلوم الدينية الذين أُبعدوا من النجف إبان الحكم البعثي في العراق، حيث أسس، بعد تسع سنوات قضاها هناك، حوزة الإمام المنتظر، في مدينة بعلبك البقاعية، التي كانت حوزة من الحوزات النموذجية بفعل حركيته وروحه الثورية، ومن ثم أسس “تجمع العلماء المسلمين” في عام 1979 في أول خطوة لبنانية عملية للوحدة بين المسلمين.
وبالتوازي مع مقاومته إهمال الدولة مناطق الضاحية والجنوب والبقاع، ورفع صوت المحرومين على المنابر ومؤازرتهم على الأرض، من لبنان إلى أفغانستان، انطلقت عام 1982 مسيرة حزب الله عبر المقاومة الإسلامية التي شاركت أولى مجموعاتها في التصدي لهذا الاحتلال، خاصة على مداخل بيروت الجنوبية في خلدة والأوزاعي، والليلكي وحي السلم، وكاليري سمعان.
فبعد أن قام السيد عباس الموسوي، الذي كان لديه خبرة عسكرية إثر تجربته مع المقاومة الفلسطينية عام 1967، وإخوانه بزيارة الإمام الخميني عقب الاجتياح، وأخذهم النصيحة بالبداية من الصفر، أنشأ ومجموعة من طلابه وإخوانه حزب الله بدعم من حرس الثورة، حيث انطلق العمل المقاوم في كل اتجاه، وبرزت العمليات المكثفة ضد الاحتلال، والعمليات الاستشهادية، من بيروت وصولاً إلى قرى ومدن الجنوب.
وهكذا، قاد السيد الموسوي، مروراً بتعيينه عضو شورى، ووصولاً إلى انتخابه أميناً عاماً للحزب عام 1991، مرحلة النهوض والتنظيم الجهادي، فكان في الطليعة، ويتقدّم الصفوف ليكون مع المقاومين في الثغور، وبين الضعفاء والمظلومين والمضطهدين في الأحياء والشوارع، للاطلاع مباشرة على احتياجاتهم ومعاناتهم، حيث كان يشدد على شعار “سنخدمكم بأشفار عيوننا”.
وهو بذلك، كان يكرّس وصيّته الأساس عملياً، في حفظ المقاومة، لمقارعة الاستكبار والمشاريع الأميركية – الإسرائيلية في المنطقة. واليوم، تكمل هذه الوصية وتحفظها، ثلّةٌ من المقاومين في حزب الله، الذين يتحدّون هذه المشاريع بلحمهم الحي، حفظاً لمسار المقاومة، الذي استشهد السيد الموسوي دفاعاً عنها.
الحاج عماد مغنية: “قائد الانتصارين” ومرحلة القوة الرادعة (1992-2008)
“الروح فينا هي التي تقاتل.. الروحية هي الأساس”
في الثاني عشر من شباط عام 2008، استهدف الاحتلال القائد في المقاومة عماد مغنية – الحاج رضوان، بسيارة مفخخة في حي كفرسوسة في العاصمة السورية دمشق، ما أدّى إلى استشهاده، تاركاً وراءه إرثاً ضخماً في العمل العسكري. ظنّت “إسرائيل” حينها مرةً جديدة، أنّ بقتله ستنهار المقاومة، لكن خاب من ظنّ أنّ بقتل الحاج عماد يدفن روحاً ثورية، إذ كان الشهيد قد زرع نفوساً لا تفنى لدى الآلاف من المقاومين.
فالحاج رضوان، الذي خاض غمار القتال مع “إسرائيل” منذ أن كان في الثانية عشر من عمره ضمن صفوف حركة فتح، قبل أن يصبح لاحقاً واحداً من أبرز القادة العسكريين في حزب الله الذين خططوا لعمليات نوعية منذ الثمانينيات وحتى الألفية الثانية، كان شخصية استثنائية قلّ نظيرها في العمل الجهادي والعسكري، بحيث أدّت خبرته إلى أن يكون “العقل المدبر” الذي حوّل المقاومة إلى “جيش غير نظامي” استطاع تحرير الجنوب عام 2000، وهزم “الجيش الذي لا يُقهر” في حرب تموز 2006، حتّى لُقّب بـ”مهندس الانتصارين”.
كان ذلك نتاج سنين من العمل على تطوير المقاومة، حيث أدخل الشهيد مغنية سلاح الإشارة المتطور والمنظومات الصاروخية إلى المقاومة، وعمل على بناء الأنفاق والتحصينات تحت الأرض وتطوير الاستخبارات العسكرية، كرصد اتصالات الاحتلال.
وفقاً لدراسة نشرها موقع “tandfonline” لنشر الأبحاث والدراسات، عزز حزب الله قدراته الاستخبارية بشكل ملحوظ، بين عامي 2000 و2006، مستفيداً من حرية تحركه في جنوب لبنان بعد انسحاب “إسرائيل”.
كذلك، حسّن الحزب بشكل كبير مخزونه من الأسلحة وقدراته البشرية، فضلاً عن نشاطه الاستخباري، فبعد حرب 2006، تأسست “قوة الرضوان”، التي سُميت تيمناً باسمه، وهي تعرف بأنّها “قوات النخبة” في حزب الله، وبأنّها تضم في صفوفها بضعة آلاف من المقاتلين.
كل ذلك جعل من الحاج رضوان “ركناً أساسياً في الجهاز العسكري لحزب الله”، غير أنّ ذلك كان يجري في الظل، فلتخفيه الدقيق وملاحقته لأكثر من 25 عاماً من قبل الاستخبارات الغربية والإسرائيلية، وُصف بـ “الشبح”، إذ كان “شخصية غامضة، يتجنب الأضواء ويلتزم بالسرية”، في حين “كان هدف مقاومته واضحاً: إزالة إسرائيل”، بحسب دراسةٍ منشورة تحت عنوان “إسرائيل، حزب الله، وظل عماد مغنية”.
كما لم يقتصر عمل الحاج عماد على التجهيز العسكري فحسب، بل كان يركّز على الروحية، فمن وجهة نظره، أنّ الإمكانات ووضع الاستراتيجيات والسياسات وأساليب العمل أصل، لكن “الأصل الرئيس هو الروحية”، فيما العنصر المادي هو عنصر مساعد، إذ لا يمكن بناء شخصية عسكرية من دون أن تكون ذات روحية عالية في الجهاد ومعرفة في مستويات واختصاصات مختلفة.
بعد استشهاده، خرج السيد نصر الله قائلاً: “لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين المجهزين الحاضرين للشهادة”. الذين تتلمذوا على يدي الحاج عماد، خرجوا بعد استشهاد السيد نصر الله في أيلول 2024، وبعد كل الاعتداءات والخسارات في حرب الإسناد، بروحية الفاتحين، المستميتين حباً وعنفواناً وشجاعةً للدفاع عن تراب الجنوب، وحفظ إرث المقاومة وقادتها عبر السنين.
مسيرة تتوقّد بالروحية والدماء
أثبتت هذه المسيرة، وهؤلاء القادة، من مرحلة التأسيس إلى معركة “أولي البأس” الأخيرة، أنّ المقاومة تبقى ولّادة وصامدة في أصعب الظروف وأحلكها، بحيث تتوقّد بالروحية والدماء، حين تكون القضية محقّة أمام عدو لا يمكن إلاّ مواجهته بالقوة. فمن الشيخ راغب حرب، إلى السيد عباس الموسوي، إلى الشهيد القائد عماد مغنية، وحتى شهادة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أظهرت المقاومة إرادةً وعزيمةً عالية على الاستمرار، انطلاقاً من البنية الصلبة للعقيدة القتالية والأيديولوجية والعلاقة المترابطة بين الشعب والسلاح والمواجهة دفاعاً عن الأرض ونصرةً للمظلومين، والتي منعت “التفكك السريع” الذي قد يصيب جيوشاً نظامية عند مقتل قادتها ورحيل الأجساد.
وليست الدلائل على ذلك ببعيدة، ففي أعقاب معركة “أولي البأس”، يعمل الحزب على النهوض من تحت الركام وآثار الأضرار التي لحقت به، لإعادة ترميم نفسه وقدراته ومجتمعه مع ما يتماشى مع المرحلة الحالية ومتطلباتها، علماً أنّ الحرب لم تتوقف، حيث تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على البلاد، لكنّه يؤكّد عزمه على الدفاع عن الأرض والوطن وعدم الاستسلام والمواجهة بشتى الطرق.
ووفقاً لدراسة لمعهد “ألما” الإسرائيلي، فإنّ الحزب “وبعد جولة القتال التي ألحقت أضراراً جسيمة بالقيادة السياسية والعسكرية لحزب الله، شرع في عملية إعادة هيكلة داخلية واسعة النطاق”.
وتشمل هذه العملية “تعيينات في مناصب قيادية عليا، وتوطيد السلطة، وإنشاء أو إعادة تأسيس أطر تنظيمية متخصصة في المجالات السياسية والمدنية والإدارية والإعلامية، وسط جهودٍ لإعادة صياغة صورة الحزب كفاعل سياسي ومدني يعمل ضمن النظام الداخلي اللبناني”، وفق الدراسة.
القادة الشهداء لم يورثوا خلفاءهم سلاحاً فحسب، بل أورثوهم عقيدة قتالية، وبنياناً تنظيمياً مرناً، ما جعل المقاومة قادرة على التأقلم مع الظروف والأحداث المحيطة والتطورات العسكرية والتكنولوجية والسياسية، إذ إنّ حزب الله ليس مجرد حزب عسكري فحسب، بل هو كيان اجتماعي وسياسي متجذر. وكما قال مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب محمد عفيف، إنّ “حزب الله أمّة، الأمم لا تموت”.
الميادين نت
اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي :
