لم يعد المشهد اليمني اليوم بحاجة إلى عناء لفرز الخنادق، ولا إلى تنقيب مضنٍ لكشف المستور؛ فالصورة التي رسمتها الصحافة العبرية مؤخراً لواقع النزاع السعودي-الإماراتي في المحافظات المحتلة تمثل بحد ذاتها وثيقة إدانة تاريخية دامغة، وشهادة “من أهلها” تثبت دقة الرؤية الاستشرافية التي طرحها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي منذ اليوم الأول للعدوان. حينها، وضع الجميعَ في أحجامهم الحقيقية، واصفاً أولئك المهرولين خلف سراب التحالف بأنهم “أدوات”، وحين تنتهي صلاحيتهم الوظيفية أو تتعارض مصالح مشغليهم الإقليميين، سيأكل بعضهم بعضاً، ليتركوا “السيد الأكبر” في حيرة من أمره.
أدوات للأدوات.. والمايسترو حائر
اليوم، تتحدث النخب الإسرائيلية بوضوح فج يعكس حالة من “الارتباك الاستراتيجي” الذي يسود أروقة القرار في “تل أبيب”. فوفقاً لتحليلات صحيفة “هآرتس”، وتحديداً ما ساقه المحلل “تسيفي برئيل”، تتحطم نظريات “التحالفات” و”المحاور” التي راهنت عليها واشنطن وكيان العدو طويلاً على وقائع يصنعها يوميا يمن الواثقين بالله.
كيان العدو، الذي كان يُمنّي النفس طيلة العقد الماضي بـ”محور سني” متماسك (يضم الرياض وأبوظبي وأدواتهما) ليكون حائط صد يحمي مصالحه ويخوض حروبه بالوكالة، يجد نفسه اليوم أمام معضلة وجودية: أي الأدوات أحق بالدعم الآن؟ الرياض التي تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه؟ أم أبوظبي التي تمضي في مشروع التفتيت؟
هذا التساؤل الإسرائيلي يمثل بحد ذاته كشفاً فاضحاً لطبيعة المرتزقة في الداخل اليمني؛ فهم لم يكونوا يوماً أصحاب مشروع وطني، ولا حَمَلة قضية استعادة دولة كما يزعمون، بل مجرد بيادق رخيصة يحركها “أدوات الأدوات”. فعندما يتصارع الكفيل السعودي مع الكفيل الإماراتي يتحول المرتزقة في عدن وشبوة والمهرة آلياً إلى وقود لهذا الخلاف، تتقاذفهم أمواج المصالح المتضاربة، بينما سيدهم الإسرائيلي يراقب المشهد بقلق بالغ. وهذا القلق -للمفارقة- ليس خوفاً على استقرار اليمن أو دماء اليمنيين، بل خوفاً على مصالحه الحيوية التي قد تتضرر من شظايا هذا التناحر “الداخلي” بين عملائه.
سقطرى عينٌ للعدو بأيد إماراتية
لعل أخطر ما كشفته التقارير الصهيونية، وتحديداً ما جاء في المقابلة التي أجراها موقع “JDN” مع الباحثة المختصة بالشأن اليمني “عنبال نسيم لوفتون”، هو تلك الحقيقة العارية التي طالما حاولت أبواق الارتزاق تغطيتها بغربال “الشرعية”: الانحياز الإسرائيلي للإمارات في الملف اليمني ليس عبثياً ولا مصادفة.
تشير الشهادات الإسرائيلية بوضوح لا يقبل التأويل إلى “تعاون استخباراتي وثيق” في جزيرة سقطرى، حيث نصبت “إسرائيل” –بتمويل ورعاية إماراتية كاملة– منظومات دفاع جوي متطورة وأجهزة استشعار دقيقة. والهدف؟ رصد الصواريخ والمسيرات اليمنية المنطلقة نحو فلسطين المحتلة.
هنا تتجلى الفضيحة بأبعادها الكاملة، وتصل الخيانة إلى ذروتها؛ ففي الوقت الذي تحشد فيه صنعاء كل قدراتها العسكرية، وتستنفر شعبها لضرب عمق الكيان الغاصب وتخوض حرباً مباشرة في البحر الأحمر نيابة عن ملياري مسلم، ينشغل ما يسمى بـ”المجلس الانتقالي” ومِن خلفه الإمارات بتحويل الجزر اليمنية الاستراتيجية إلى قواعد حماية خلفية للكيان الصهيوني.
يأتي هذا في لحظة تاريخية فارقة، تذكّر بالمكشوف عنه سابقاً من أن هؤلاء لم يأتوا لإعادة شرعية مزعومة، بقدر ما وُظفوا لتمكين المحتل من رقاب الأمة. وها هو الإعلام العبري يقطع الشك باليقين، مؤكداً أن الفصائل الموالية للإمارات هي “الخيار المفضل” لكيان العدو، لأنها تمثل “الحارس الأمين” لمصالحه في الأرخبيل والممرات المائية، في طعنة غادرة لظهر الأمة وللقضية الفلسطينية.
سباق التودد للكيان.. من يركع أولاً؟
المخزي في المشهد، والذي يثير الغثيان في نفس كل حر، هو ما يصوره الباحث “يوآل جوزانسكي” من “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي. فهو يشير إلى أن المعركة ليست فقط تنافساً سعودياً إماراتياً على النفوذ في الجغرافيا اليمنية، بل هي تنافس محموم على “قلب إسرائيل”.
ينقل الباحث الصهيوني شكوى مسؤولين إماراتيين كبار من أن “تل أبيب” باتت تعطي أولوية للتطبيع مع السعودية على حساب تعميق العلاقات معهم، بينما يتذمر السعوديون في المقابل من الروابط العميقة والخاصة التي نسجها الكيان مع الإمارات في اليمن والمنطقة.
هذا التكالب المسعور على إرضاء العدو الصهيوني يضع المرتزقة اليمنيين في أسفل درك العمالة والخسّة، فإذا كان مشغلوهم المباشرون (الرياض وأبوظبي) يتسابقون ويتزاحمون بالأكتاف لخدمة المشروع الصهيوني ونيل بركاته، فأين موقع أولئك الذين يقاتلون تحت راياتهم في الداخل اليمني؟
الحقيقة القديمة المتجددة اليوم هي أنهم مجرد “أدوات لأدوات الأدوات” بلا قضية، وبلا كرامة، وبلا مستقبل. يقتلون بعضهم بعضاً، ويثيرون الفتن في الجنوب، تماماً كما يفعل نظراؤهم في السودان والصومال، لا لشيء إلا لتعزيز أوراق اعتماد مشغليهم لدى السيد الأمريكي والإسرائيلي، وتقديم اليمن “قرباناً” على مذبح التطبيع.
مصير “أنطوان لحد” ينتظر الجميع
إن قراءة ما بين سطور الإعلام العبري تقودنا إلى استنتاج حتمي: الكيان لا يثق بعملائه، لكنه يستخدمهم حتى استنفاد الغرض، وكما تخلت سابقاً عن “جيش لبنان الجنوبي” وعميلها أنطوان لحد، فإنها تنظر لمرتزقة اليمن كمناديل ورقية تستخدم لمرة واحدة.
الخلاف السعودي الإماراتي الذي يربك الكيان اليوم، قد ينتهي غداً بتسوية أو بانسحاب، وحينها سيجد المرتزقة أنفسهم عراة أمام الشعب اليمني، بعد أن استثمروا دماءهم في حماية الملاحة الصهيونية والاستماتة في خدمة مشاريع الصهيونية.
صنعاء مشروع السيادة الوحيد
في خضم هذا العبث والضياع الذي يعيشه الطرف الآخر، تتكرس صورة وحقيقة ناصعة: صنعاء هي الحامل الوحيد للمشروع الوطني والعروبي الجامع.
فبينما يتباكى كيان العدو ويحذر من أن انقسام “المعسكر البراغماتي” (السعودية والإمارات) يضر بمصالحه ويهدد أمنه القومي، يقف اليمن الحر سداً منيعاً يهدد وجود الكيان ذاته، ويعيد تعريف موازين القوى في المنطقة.
لقد أثبتت السنوات -وتحديداً معركة “طوفان الأقصى” وما تلاها من إسناد يمني- أن قرار صنعاء هو قرار سيادي خالص، نابع من مصلحة الأمة وعقيدتها، لا يمليه سفير في غرفة مغلقة، ولا يتحكم فيه كفيل يخشى غضب البيت الأبيض. فالحصار المفروض بإحكام على موانئ العدو، والصواريخ التي تدك الكيان والعمليات التي تحاصر أم الرشراش (إيلات) وتحيل موانئها يبابا، هي الرد العملي على كل مشاريع التتبيع والارتهان، وكما قال السيد القائد، فإن الزمن كفيل بكشف الحقائق؛ وها هو الإعلام العبري اليوم يقدم الدليل القاطع والبرهان الساطع على صحة المسار:
* هناك طرف (صنعاء) يحاربه العالم بأسطوله وتحالفاته لأنه يرفض الركوع لـ”إسرائيل” ويصر على خنق اقتصادها.
* وهناك أطراف (المرتزقة ومشغلوهم) تتناحر فيما بينها، وتتسابق في تقديم فروض الولاء والطاعة، لنيل رضا “إسرائيل”.
وعليه، فإن المشهد اليوم لم يعد يقبل الحياد أو التبرير؛ فإما أن تكون مع اليمن العروبي، المؤمن، القوي، العزيز، الذي يغلق البحر في وجه قتلة الأطفال والنساء، أو تكون ترساً صغيراً صدئاً في ماكينة صهيونية هائلة، يديرها ضابط مخابرات في “الموساد”، ويغذي وقودها أمراء النفط، ويدفع ثمنها المرتزقة من دمائهم وكرامتهم المهدورة في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، سوى القتال في سبيل مشروع الصهيونية الذي لاشك سيأتي يوم ويدوس عليهم كما سنّة العملاء ومصير الخونة عبر التاريخ.
تقرير | يحيى الشامي
اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي :
