صنعاء بين الردّ والتفاوض..الحقوق اولًا

لم تعد المواجهة بين صنعاء والرياض محصورة في الميدان العسكري، فقد انتقلت إلى مساحة أوسع تتداخل فيها السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والإعلام والميدان.

وفي قلب هذا المشهد تؤكد صنعاء أنها لا تبحث عن حرب مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته لن تقبل بأن تتحول الهدنة إلى غطاء لاستمرار الحصار واستنزاف الشعب اليمني.

وهنا يأتي تصريح رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام ليضع النقاط على الحروف: الاتصالات واللقاءات مع الأطراف الإقليمية والدولية مستمرة، وباب الحوار لم يُغلق، والعمليات العسكرية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية هي ردًا مشروعًا على الاعتداءات والتصعيد السعودي، خاصةً استهدافه مطار صنعاء في 13 يوليو 2026، وما تلاها من تحشيد وإستهداف بالطيران المسير لعدة مناطق يمنية.

أربع سنوات من الهدنة.. ماذا تغيّر؟

الرسالة الأبرز التي تحملها صنعاء هي أن الهدنة لم تكن بالنسبة إليها فرصة لإعادة ترتيب الصفوف من أجل شن حرب جديدة، لكن التزامًا بخفض التصعيد.

غير أن العدو السعودي استغل فترة التهدئة في مسارات أخرى، خصوصًا في الجانب الاقتصادي والإنساني، من خلال القيود على حركة السفن، والإجراءات المتعلقة بالموانئ، والضغوط على البنوك والتجار، بما انعكس على أسعار السلع والأوضاع المعيشية للمواطن اليمني.

ومن هنا تتضح إحدى أهم معادلات المرحلة:

إذا كان المطلوب من اليمن أن يوقف التصعيد العسكري، فعلى الطرف الآخر أن يوقف التصعيد الاقتصادي والإنساني والعسكري أيضًا.

فالسلام في المفهوم الذي تريده صنعاء ليس مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، وإنما معالجة لجذور الأزمة ورفع القيود التي تمس حياة الشعب اليمني وفقا لخارطة الطريق.

صنعاء: باب التفاوض مفتوح.. لكن الحقوق ليست محل مساومة

المفارقة التي تكشفها التطورات الحالية أن صنعاء تتحدث عن استمرار الاتصالات السياسية في الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية.

وهذا يعني أن المسارين، السياسي والعسكري، لا يُنظر إليهما باعتبارهما متناقضين بالضرورة؛فالميدان، وفق هذه الرؤية، يهدف إلى منع فرض الأمر الواقع، بينما يبقى التفاوض هو الطريق لمعالجة الملفات بصورة شاملة.

ولهذا يضع الوفد الوطني سقفًا واضحًا لأي مسار قادم:

فتح المطارات والموانئ، صرف المرتبات، استئناف تصدير النفط والغاز وتوجيه عائداته لخدمة الشعب اليمني، وإنهاء القيود التي تعرقل الحركة التجارية والإنسانية.

وهذه ليست، في جوهرها، مطالب ترفية أو امتيازات سياسية، فهي ملفات تمس الحياة اليومية للمواطن اليمني.

عندما يصبح الميدان رسالة سياسية

العمليات العسكرية الأخيرة، التي استهدفت تحشيدات ومواقع ومعسكرات مرتبطة بالقوات المدعومة سعوديًا في مناطق عدة، بالتزامن مع تصعيد في البحر والجو.

وهنا تكمن دلالة مهمة: صنعاء تريد أن تقول إن استمرار الضغط عليها لن يبقى بلا كلفة.

فالرد لم يعد مقتصرًا على جبهة جغرافية واحدة، إنما أصبح مرتبطًا بمفهوم أوسع يقوم على جعل استمرار التصعيد مكلفًا على العدو السعودي، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام التسوية السياسية.

البحر الأحمر.. ليست كل الملاحة هدفًا

ومن أكثر النقاط إثارة للاهتمام ما أوردته التقارير عن استمرار مرور السفن غير السعودية عبر باب المندب بصورة طبيعية.

وهذه النقطة مهمة في فهم الرسالة التي تريد صنعاء إيصالها: أن إجراءاتها البحرية تُقدَّم باعتبارها مرتبطة بالسفن والمصالح السعودية، وليس إعلانًا لحرب على التجارة العالمية بصورة عامة.

وهنا تظهر معادلة «الحصار مقابل الحصار» التي تحدث عنها سيد القول والفعل وتصريحات القادة صارت مطلب شعبي.

فإذا كانت الرياض تستطيع التأثير في حركة الواردات والصادرات اليمنية، فإن صنعاء، بحكم موقع اليمن الجغرافي وإشرافه على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، تستطيع امتلاك أوراق ضغط مقابلة.

ختامًا: مما سبق تتبلور معادلة المرحلة:
التفاوض مفتوح.. لكن الحقوق ليست للتفاوض.والتهدئة ممكنة.. لكن الحصار ليس مقبولًا.والسلام ممكن.. لكن السلام بلا حقوق ليس سلامًا.

عبدالله علي هاشم الذارحي

 

اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي :

واتس أب تيليجرام منصة إكس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *